حسن الأمين
308
مستدركات أعيان الشيعة
والحظ الجزيل وهنا تكون تلك البلدة حبيبة اليه : وأحب آفاق البلاد إلى الفتى ارض ينال بها كريم المطلب عقيدة البحتري هذه في الرزق جعلته يشرق في البلاد ويضرب ويجوب أرجاء قسم كبير من المملكة الإسلامية وكان طموحا لا يرضى بالقليل : تقاذف بي بلاد عن بلاد كاني بينها جمل شرود عشرون قصرها الصبا وأطالها ولع العتاب بهائم لم يعتب أمسي زميلا للظلام واغتدي ردفا على كفل الصباح الأشهب فأكون طورا مشرقا للمشرق الأقصى وطورا مغربا للمغرب وإذا الزمان كساك حلة معدم فالبس لها حلل النوى وتضرب ولقد أبيت مع الكواكب راكبا اعجازها بعزيمة كالكوكب والليل في لون الغراب كأنه هو في حلوكته وان لم ينصب وهو لا يرى القناعة في المجد والغنى فضيلة بل يرى الفضيلة في الأقدام ومواجهة الصعاب : ما زال لي من عزمتي وصريمتي سندا يثبت وطاتي أن تدحضا لست الذي ان عارضته ملمة ألقى إلى حكم الزمان وفوضا كما كان البحتري متفائلا لا يرى البلاء قدرا لا فكاك منه بل يؤمن بان مع العسر يسرا وأن شدة الدهر عما قليل تنجلي : هل الدهر إلا غمرة وانجلاؤها وشيكا وإلا ضيقة وانفراجها تقضى الهموم لم يلبث طروقها زماعي ولم يغلق علي رتاجها وكان عارفا بقدر نفسه مغرورا بشعره ويظهر ذلك جليا في معاملته لممدوحيه وفخره بنفسه يقول لأحد ممدوحيه أحمد بن ثوابة : واعلم أن السبل ما فاجاتكمو بزور من الأقوام مثلي ولا وفد يعزز ذلك ما ذكر عنه من تشدقه في إلقاء شعره وقوله للحاضرين : قولوا أحسنت ! قضية أخرى في شخصيته كانت مثار جدل هي بخله فقد ذكر البعض انه من أبخل خلق الله وذكروا انه كان له أخ وغلام معه في داره فكان يقتلهما جوعا حتى إذا بلغ منهما الجهد أتياه يبكيان فيرمي إليهما بثمن أقواتهما مضيقا مقترا ويقول لهما مع ذلك : كلا أجاع الله أكبادكما وأطال اجهادكما ! والطريف ان هناك من يذهب إلى أن البحتري لم يكن بخيلا بل كان مبذرا أحيانا . وأنه لو كان بخيلا لما فاتت هذه الصفة ابن الرومي ولكان ذكرها في هجائه للشاعر إضافة إلى افتخاره في شعره بكرمه وجوده . وكما كان بخله موضع اختلاف كذلك أثيرت قضية مدى وفائه . يقول أحمد بن طاهر : ما رأيت أقل وفاء من البحتري ولا أسقط . رأيته قائما ينشد أحمد بن الخصيب مدحا له فيه فحلف ليجلس . ثم وصله ، واسترضى له المنتصر وكان غضبان عليه . ثم أوصل له مديحا اليه وأخذ له منه مالا فدفعه اليه . ثم نكب المستعين أحمد بن الخصيب بعد فعله هذا بشهور فلعهدي به قائما ينشده : لابن الخصيب الويل كيف انبرى بافكه المردي وإبطاله يا ناصر الدين انتصر موشكا من كائد ومغتاله فهو حلال الدم والمال وان نظرت في باطن أحواله ثم قال ابن أبي طاهر : كان ابن العلجة كان فقيها يفتي الخلفاء في قتل الناس نزحه الله ثم ختم القصيدة بقوله : فالرأي كل الرأي في قتله بالسيف واستصفاء أمواله في الوقت الذي يجمع النقاد على اعتبار مراثي البحتري أجود من مدائحه . ويروى ان البحتري سئل في ذلك لأن عهد الناس ان تفضل المدائح المراثي معللين ذلك بما أجاب به بعض الشعراء وقد سئل عن ضعف مراثيه فقال : كنا نعمل للرجاء ونحن اليوم نعمل للوفاء وبينهما بعد . أما البحتري عندما سئل عن جودة مراثيه على مدائحه فقد أجاب بان من تمام الوفاء أن تفضل المراثي المدائح . وبعد فهل كان البحتري وفيا ؟ أما أنا فأؤكد ذلك والدليل انه كان يذكر النعم التي نالها من ممدوحيه فيجيد رثاءهم ويسجل ماثرهم وان شئت فاقرأ رثاءه لأبي سعيد وابنه يوسف وآل حميد والمتوكل . وأن قوة اتصاله بالمعتز ابن المتوكل دليل وفاء لأبيه الراحل . وإذا كان البحتري قد اضطر إلى أن يتصل بأناس يبدو أن اتصاله بهم يعارض سمة الوفاء ففي مهنته عذر يدفعه إلى هذا النهج من الحياة . من أخلاق البحتري أيضا الشجاعة . وقد يشارك في المعارك كما كان يفعل تحت راية أبي سعيد الثغري محمد بن يوسف وابنه يوسف بن محمد ويصور لنا ذلك في شعره : وانا الشجاع وقد بدا لك موقفي « بصقر قس » والمشرفية شهدي ورأيتني فرأيت أعجب منظر رب القصائد في القنا المتقصد أسرته قضى البحتري طفولته في منبج . ثم مضى يضرب في الآفاق باحثا عن حظه حتى استقر أخيرا في سر من رأى وربما كان يختلف إلى منزله بمنبج في الحين بعد الحين . فلما ولي المعتز استوطن العراق ثانية وعاش في حاشيته ويدلنا على ذلك أنه طلب مرة إلى المعتز أن يأذن له في الذهاب إلى الشام مدة شهرين فقط يزور فيهما أهله ويصلح أمر ضيعته إذ قال : هل أطلعن على الشام مبجلا في عز دولتك الجديد المونق فارم خلة ضيعة تصف اسمها والم ثم بصبية لي دردق شهران ان يسرت اذني فيهما كفلا بالغة شملي المتفرق وتزوج البحتري في سن لا نعرفها وأنجب ولدا سماه يحيى كان شديد